ابن المقفع

55

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

تحسن التقدير « 1 » لما تفيد وما تنفق . ولا يغرنّك من ذلك سعة تكون فيها ، فإنّ أعظم النّاس في الدنيا خطرا « 2 » أحوجهم إلى التقدير . والملوك أحوج إلى التّقدير من السّوقة « 3 » لأن السوقة قد يعيش بغير مال ، والملوك لا قوام « 4 » لهم إلا بالمال ، ثم إن قدرت على الرفق « 5 » واللطف في الطلب والعلم بالمطالب فهو أفضل . * شيء من الوعظ وأنا واعظك في أشياء من الأخلاق اللطيفة والأمور الغامضة التي لو حنّكتك « 6 » سن كنت خليقا أن تعلمها ، وإن لم تخبر عنها . ولكن أحببت أن أقدّم لك فيها قولا لتروض « 7 » نفسك على محاسنها ، قبل أن تجري على عادة مساويها فإنّ الإنسان قد تبتدر إليه في شيبته المساوئ ، وقد يغلب عليه ما يبدر إليه منها . . . * * التعوّذ بالعلماء إن ابتليت « 8 » بالإمارة فتعوّذ « 9 » بالعلماء ، واعلم أنّ من العجب أن يبتلى الرجل بها فيريد أن ينتقص من ساعات نضبه « 10 » وعمله فيزيدها في ساعات دعته « 11 » وشهوته « 12 » .

--> ( 1 ) التقدير : قدّر الأمر تقديرا أو الشيء بالشيء قاسه به وجعله على مقداره . ( 2 ) العظيم الخطر : أي الرفيع المقام وذو القدر . ( 3 ) السّوقة : الرعية من الناس ، واللفظة للمفرد والجمع والمذكّر والمؤنث . ( 4 ) القوام : ما يكفي من القوت ونحوه . ( 5 ) الرفق : لين الجانب ، اللطف . ( 6 ) حنّكتك : جعلتك حكيما خبيرا ذا تجارب . ( 7 ) راض يروض نفسه : طوّعها وذلّلها وعلمها . ( 8 ) ابتلي بالشيء : اختبر به ، حلّت به بليّته أي مصيبته . ( 9 ) تعوّذ بالعلماء : أي لجأ إليهم واعتصم . ( 10 ) النضب : مصدر نضب ( العمر ) : نفد وانقضى . ( 11 ) الدعة : الراحة ، الطمأنينة . ( 12 ) الشهوة : مصدر شها يشهو شهوة الشيء : أحبّه ورغب فيه .